Popular Posts

Friday, January 28, 2011

ديناميكية الجماعات في تسيير الموارد البشرية

ديناميكية الجماعات

الدكتور جميل حمداوي

من المعروف أن علم النفس الفردي الذي بلوره فرويد ويونغ وأدلر يتناول الظواهر النفسية الفردية الشعورية واللاشعورية، بينما علم الاجتماع الذي تأسس مع أوجست كونت ودوركايم وليفي برول يهتم بالظواهر الاجتماعية. أما علم النفس الاجتماعي الذي هو في الحقيقة جزء من علم النفس فإنه يعنى بدراسة أثر الفرد في الجماعة وأثر الجماعة في الفرد، كما يرتكز على دراسة الجماعة وتصنيفها وتبيان أدوارها وتفاعلاتها ووظائفها داخل المجتمع. وبالتالي، فهو بمثابة الدراسة العلمية للإنسان ككائن اجتماعي يعيش في مجتمع يتخذ له أصدقاء يتفاعل معهم ويتأثر بهم ويؤثر فيهم.
ومن أهم المعارف والشعب التي تفرعت عن علم النفس الاجتماعي نجد بكل تأكيد مسلك ديناميكية الجماعات. فما هو مفهوم ديناميكية الجماعات وموضوعه؟ وماهي مرتكزات هذا العلم الجديد ؟ وماهي أهم المقاربات والدراسات التي رصدت ديناميكية الجماعات؟ وكيف يمكن الاستعانة بهذا العلم في مجال التنشيط التربوي والتأطير الديداكتيكي؟هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها قدر الإمكان.

أ‌- مفهوم ديناميكية الجماعات:

تتكون عبارة ديناميكية الجماعات la Dynamique des groupes من مفهومين أساسيين وهما: الديناميكية والجماعات.

1- مفهوم الديناميكية:

استعير مفهوم الديناميك ( Dynamique ) من المجال الفيزيائي ، والذي يقصد به في مجال الميكانيكا مختلف العلاقات التي تكون بين القوى والحركات الناتجة عن هذه الأخيرة ، ويدل المصطلح على القوة والحركة والحيوية ونقيضه الثبات والسكون Statique) ). وتعني الديناميكية في المجال السيكواجتماعي مختلف القوى الإيجابية والسلبية التي تتحكم في الجماعة وتساعدها على التوازن و التطور والاندماج أو الانكماش والتشتت والتناحر. كما أنها عبارة عن التفاعلات البنيوية الوظيفية التي تتحكم في نسق الجماعة، إذ كل تغيير يمس عنصرا فرديا داخل شبكة الجماعة ونسقها البنيوي فإنه يؤثر لامحالة على باقي العناصر الأخرى إما سلبا وإما إيجابا. وبالتالي، فالديناميكية هي التفاعل النفسي والاجتماعي الذي يدور باستمرار داخل الجماعة بين أعضائها بشكل بنيوي ووظيفي.
وبتعبير آخر، فالديناميكية عبارة عن مثيرات واستجابات بالمفهوم السلوكي للتفاعل داخل الجماعة، فعندما يصدر عن فرد ما سلوك معين داخل الجماعة الواحدة يكون لهذا السلوك استجابات فورية من باقي أفراد الجماعة. ويعني هذا أن ديناميكية الجماعات عبارة عن قوى تفاعلية كيماوية تساهم في تحريك الجماعة وتغيير اتجاهات أفرادها وميولاتهم الشخصية وتطوير رؤاهم ونوازعهم الذاتية إيجابيا أو شحنها بمكونات سلبية تهدد تماسك الجماعة وانسجامها واتساقها الوظيفي كما هو شأن تفاعل عناصر الدارة الكهربائية فيزيائيا.
ويرى هولنبك Hollenbeck بأن الديناميكية هي:" القوى التي تؤثر في العلاقات والتفاعل داخل الجماعة، والتي يكون لها تأثير في سلوك الجماعة ، فقد تعمل الدينامية على تطور الجماعة وتقدمها وتنظيم العلاقات داخلها مما يحقق النمو في الجماعة أو قد تعمل على جمودها وتأخرها وقيام الصراع والتوتر في العلاقات بين أفرادها مما يؤدي إلى تدهور الجماعة وانحلالها."
ومن هنا، تنصب الديناميكية على مجمل التفاعلات البنيوية الوظيفية التي تحدث للجماعة والتي تؤدي إلى تغيير سلوكها والحفاظ على تماسكها وتوازنها أو تؤدي بها إلى النمو والتقدم أو إلى الاضمحلال والتخلف عبر عمليات تفاعلية مستهجنة كالصراع والانشقاق والتناحر والاختلاف الهدام. " فأعضاء الجماعة تتعدد أنماط سلوكهم، وتتفاوت ميولهم وعاداتهم واتجاهاتهم وقيمهم، وهذا يجعل المجال الدينامي للجماعة ينبض بالتفاعل والحيوية اللازمة لنمو الفرد ونمو الجماعة في نفس الوقت.
فمن خلال التفاعل الاجتماعي تحدث مثيرات واستجابات بين أفراد الجماعة كما أوضحنا، وتختلف هذه المثيرات والاستجابات باختلاف المواقف واختلاف الأدوار،إلا أن طبيعة التفاعل تكاد تكون متشابهة في كل الجماعات، وينتج عن التفاعل تقبل أو عدم تقبل، نبذ أو استنكار، تجاهل بين الأفراد، وصداقات ومودة، وتجاوب ونفور، وكراهية...".
وعليه، فالدينامية هي نتاج القوى الفردية والجماعية التي تتفاعل بطريقة حيوية داخل نسق الجماعة بشكل توافقي أو اعتراضي.

2- مفهوم الجماعة:

تتميز الجماعة le groupe بعدة خصائص كالتجمع والتماسك والانسجام وتزايد أفرادها عن اثنين فما فوق حتى تصبح حشدا Foule وعصابة Bande وتجمعا regroupement، فضلا عن خاصية الانتماء والعمل الجماعي من أجل تحقيق هدف مشترك، وتبادل التفاعلات والأدوار والوظائف. وبالتالي، تنطلق الجماعة في أداء مهماتها ومسؤولياتها من أهداف مسطرة مضبوطة لتحقيقها في مجالات معينة بوسائل محددة مع تقويمها وتحديد نقط الضعف والقوة قصد الأخذ بمبدإ التغذية الراجعة (feedback).

3- صفات الجماعة:

ولابد للجماعة أن تتوفر فيها مجموعة من الصفات البارزة التي تجعلها تحقق التوازن الحقيقي على مستوى التنظيم الداخلي والتسيير الذاتي، وهذه الصفات هي:
• وحدة الأهداف والأغراض والترابط بين الأفراد تماسكا وانسجاما.

• ألا يقل عدد أفراد الجماعة عن ثلاثة أفراد؛ لأن الفردين يمكن أن يتعايشا دون بغض أو تنافر.
• أن تهيئ الجماعة لأفرادها فرص النمو والتطور والتفاعل الإيجابي وإمكانيات إشباع احتياجاتهم.
• أن تكون العلاقة بين أفراد الجماعة قائمة على التراضي والمودة والتعاون والتسامح.
• أن يكون الهدف الذي تعمل من أجله الجماعة متفقا مع أعراف المجتمع وتقاليده وقوانين البلاد ونظمه الدستورية وشرائعه الدينية.
• أن يكون للجماعة قيادة مهما كان عددها.
• أن تخضع الجماعة لنوع من التنظيم والتسيير الذاتي.

4- آثار الجماعة على الأفراد:

من المعروف أن للجماعة فوائد جمة وثمارا مرجوة وآثارا كثيرة على الأفراد. ومن هذه الآثار الإيجابية نجد أن الجماعة تساعد الفرد على التعلم والتكوين، وتساهم في خلق مجموعة من الصداقات المتينة والعلاقات الحميمية وتعمل على ازدهارها أثناء العمل في فرق أو جماعات، وتبرز بشكل واقعي وصادق مميزات الأفراد المستحسنة ونقائصهم السلبية.
وتساعد الجماعة الأفراد على تمثل اتجاهات وقيم ومعايير واتخاذ مواقف سلوكية، والتعبير عن تجاربهم الشخصية الذاتية والجماعية ورؤاهم للعالم من خلال الاندماج في حضن الجماعة مع اكتساب روح المغامرة والعمل والكفاح والمثابرة والطموح. وتساهم الجماعة أيضا في تعديل السلوكيات الفردية وتغييرها خاصة القيم السلبية المستهجنة كالأنانية والحقد والتنافس غير المشروع. كما تعمل الجماعة على منح الفرص للأفراد لإظهار كفاءاتهم وقدراتهم الذاتية وميولاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم الشخصية وابتكاراتهم الفردية. أضف إلى ذلك أن الجماعة تعلم الأفراد التعامل الديمقراطي مع الآخرين، وإظهار المهارات القيادية المرنة والفعالة والمناسبة خلال العمل والتدريب والتأطير والتكوين، علاوة على الإحساس داخل الجماعة المتوازنة بمشاعر الأمن والطمأنينة وإشباع الحاجات إلى الانتماء والتحرر من الخوف.

5- أنواع الجماعات:

من المعروف أن الجماعات أنواع: فهناك الجماعة الكبرى والجماعة الصغرى، والجماعة المنغلقة والجماعة المنفتحة، والجماعة الأولية (مثل: جماعة الأسرة) والجماعة الثانوية (الجماعات السياسية والدينية والمهنية والمجتمع المدرسي والنقابات)، والجماعة الثابتة والجماعة الديناميكية، والجماعة الفاعلة والجماعة المنفعلة، وجماعة ذات الدوافع الشخصية وجماعة ذات الدوافع الجماعية، والجماعة الطبيعية التلقائية (تتكون بشكل طبيعي تلقائي) والجماعة المكونة المنظمة ( تتكون وفق شروط وأهداف معينة)، والجماعة الإجبارية ( الانتماء إلى جماعة الأسرة إجباريا ولا اختيار للإنسان في ذلك) والجماعة الاختيارية (الانتماء إلى جماعة بمحض الاختيار والإرادة كجماعة الأصدقاء والجمعيات التعاونية) .

6- الخصائص السيكولوجية للجماعة:

تنبني الجماعة حسب موشييللي Mucchielli R. على مجموعة من الخاصيات السيكولوجية الأساسية وهي:
• التفاعلات.
• وجود أهداف مشتركة.
• بروز مقاييس أو قواعد التصرف.
• بروز بنية غير شكلية لنظام العواطف والود والنفور، وهي غير شكلية لأنها ليست رسمية وغير واعية في معظم الأحيان.
• وجود انفعالات ومشاعر جماعية مشتركة (الجميع كالفرد الواحد حسب تعبير جاك لاكان).
• وجود لاشعور جماعي.
• إقامة توازن داخلي ونظام للعلاقات المستقرة مع محيطها